
ليست كل محاولات التعمير إحياءً للتاريخ، وليست كل القرى المستحدثة امتدادًا طبيعيا للذاكرة الجماعية. فحين تُنشأ قرية باسم مجموعة تقليدية لا تربطها بالمكان ذاكرة مشتركة، ولا امتداد تاريخي، ولا علاقة جغرافية أو اجتماعية متجذرة، فإن الأمر يتجاوز مجرد مشروع عمراني ليصبح محاولة لإعادة تشكيل الرواية الجماعية وفرض وقائع جديدة على حساب التاريخ؛.
المفارقة أن بعض من يدفعون بهذا الاتجاه عجزوا عن تنمية القرى والحواضر التي تمثل الامتداد الحقيقي للمجموعة التقليدية، وتركت المواطن التاريخية تعاني التهميش والضعف، بينما يتم توجيه الجهد نحو صناعة فضاءات جديدة يراد لها أن تحمل رمزية لم تتشكل فيها عبر الزمن!!.
إن المجتمعات التقليدية التي عانت من الشتات والتفكك والانقسامات السياسية تظل أكثر عرضة لمحاولات إعادة التوجيه وإعادة التموضع." فالمجموعة" التي تفرقت بين الشمال بقياداته الوليدة، والجنوب بما يحمله من إرث الزعامات التاريخية، وامتدادات أخرى تبحث عن موطئ قدم في اتجاهات مختلفة، تصبح أرضًا خصبة لصراعات النفوذ وصناعة الزعامات الجديدة.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز المستفيد الحقيقي: أولئك الذين يحولون التظاهرات إلى تجارة رمزية، ويبيعون أحلام الزعامة التقليدية، ويستثمرون في الانقسامات أكثر مما يستثمرون في بناء مجتمع متماسك. فالتاريخ لا يُعاد إنتاجه بقرار، والهوية لا تُنقل من مكان إلى آخر بمجرد اللافتات، لأن الذاكرة الجماعية لا تُبنى بالإعلان عنها، بل بتراكم الزمن والإنسان.
ورغم تعدد هذه المحاولات عبر الزمن، فإنها ظلت تصطدم بحقيقة ثابتة: أن الزعامة التقليدية، بما تمثله من رمزية وامتداد تاريخي وذاكرة جماعية، لا يمكن تجاوزها أو استبدالها بقرارات ظرفية أو ترتيبات مؤقتة. فقد أثبتت التجارب أن محاولات القفز على البنى الاجتماعية المتجذرة سرعان ما تصطدم بحدود الواقع، لأن المجتمعات التقليدية، مهما أصابها من شتات أو ضعف، تحتفظ دائما بخيوطها العميقة التي تعيد ترتيب نفسها كلما اشتدت محاولات تفكيكها.
لقد حاول البعض مرارا صناعة مقدمات جديدة لمجتمع قديم، والسعي إلى احتلال مواقع لم تصنعها التراكمات التاريخية، عبر استقطاب الأصوات، أو شراء الولاءات، أو الاعتماد على باعة الأوهام الذين يبيعون للناس مشاريع رمزية سرعان ما تنكشف هشاشتها أمام اختبار الزمن.
ويبقى السؤال قائما: هل يمكن صناعة زعامة بالضجيج والتظاهرات والاصطفافات المؤقتة ؟ أم أن الشرعية الاجتماعية، مهما تأخر ظهورها، وتعمد تغييبها؛ ستبقى مرتبطة بما يصنعه التاريخ وتؤكده ذاكرة الجماعة.؟

.png)

