حين يصبح المسجد مكان يتهرب منه رجال الأعمال وأشباه رجال الأعمال!!

في الآونة الأخيرة، بدأت تبرز في بعض أوساط الجالية الموريتانية في أروبا عموما واسبانيا خصوصا ظاهرة تستحق التوقف والتأمل: أناس، ومن بينهم رجال أعمال وأشباههم من الميسورين، أخذوا يقلّ حضورهم إلى المساجد أو يتجنبون بعضها، لا لعدم قدرتهم على الوصول إليها، وإنما خشية أن يلتقوا بأبناء جلدتهم من المحتاجين، فيُطلب منهم العون أو المساعدة. !!

الظاهرة  التي اتسعت، واستفحلت في مختلف مساجد الجزر الكناري الثلاثة فهي ليست مجرد مسألة تتعلق بالحضور إلى المسجد، بل تكشف عن خلل أعمق في العلاقة بين العبادة والأخلاق، وبين التدين والمسؤولية الاجتماعية. فالمسجد في الوعي الإسلامي ليس مكاناً تؤدى فيه الصلاة فحسب، ثم ينصرف الإنسان إلى شؤونه الخاصة، وإنما هو فضاء للتعارف والتراحم والتكافل، ومكان يلتقي فيه الغني والفقير، والقوي والضعيف، والمسافر والمقيم. وحين يصبح وجود المحتاجين سبباً لنفور بعض الميسورين من المسجد، فإننا أمام مفارقة أخلاقية تستحق النقد. والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض من يتجنبون هذه اللقاءات قد يكونون قد استفادوا في مراحل سابقة من علاقات أبناء الجالية بهم، أو تلقوا منهم المساعدة أو التقدير أو الدعم المعنوي والمادي. ثم، حين تغيرت الظروف وأصبحوا أكثر قدرة، تحولت معرفة المحتاجين بهم من علاقة إنسانية إلى عبء يحاولون الهروب منه. 

لكن النقد هنا لا يعني أن كل غني مطالب بأن يفتح بابه وماله لكل من يطلب منه. فالإنسان له حق في ماله وخصوصيته، وليس كل طلب استحقاقاً، كما أن بعض المحتاجين قد يبالغون في الطلب أو يسيئون استخدام علاقاتهم. وقد تكون لدى بعض رجال الأعمال تجارب مؤلمة جعلتهم يتحفظون من الظهور في أماكن تكثر فيها المطالب. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الخوف من الطلب إلى هروب من المكان كله، وحين يصبح المحتاج في نظر البعض مصدر إزعاج ينبغي تجنبه، بدلاً من أن يكون إنساناً له كرامته وحقه في أن يُعامل باحترام. والأغرب من ذلك أن بعض المتوارين عن المساجد بحجة كثرة المحتاجين ليسوا معروفين أصلاً بكثرة الإنفاق أو المبادرة إلى الأعمال الخيرية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً؛ إذا لم يكن الإنسان معروفاً بالعطاء، فما الذي يخشاه تحديداً؟ ولماذا يصبح مجرد احتمال أن يطلب منه أحد شيئاً سبباً لترك المسجد أو الابتعاد عن الجماعة؟ قد يكون الجواب في تغير طبيعة العلاقات داخل بعض الجاليات. فالغربة أحياناً تصنع شبكة اجتماعية شديدة الحساسية؛ يعرف الناس من يملك ومن يحتاج، ومن نجح ومن تعثر. ومع مرور الوقت، قد يشعر بعض أصحاب المال الهجين بأنهم أصبحوا محاصرين بتوقعات اجتماعية لا تنتهي. لكن مواجهة هذا الأمر لا تكون بإدارة الظهر للمسجد والمحتاجين، وإنما بوضع حدود واضحة ومحترمة، وتنظيم العمل الخيري بطريقة تحفظ كرامة الطرفين. فليس مطلوباً من رجل الأعمال أن يستجيب لكل طلب، ولا أن يحمل وحده أعباء جاليته، لكن المطلوب ألا يتحول المال إلى جدار يفصل الإنسان عن مجتمعه، وألا تصبح النعمة سبباً في التنكر لمن حوله. وفي المقابل، تقع مسؤولية على المحتاجين أيضاً. فكرامة المحتاج لا تقل عن كرامة الميسور، ومن الخطأ تحويل المسجد إلى مكان لملاحقة أصحاب الأموال بالطلبات. كما أن الإلحاح والإحراج واستغلال العلاقات الشخصية قد يدفع بعض الناس إلى الانغلاق والابتعاد، وهو ما يضر بالمجتمع كله. 

المشكلة إذن ليست في وجود الغني أو الفقير في المسجد، وإنما في انهيار الثقة بينهما. المسجد الذي يخشى فيه الغني من المحتاج، ويشعر فيه المحتاج أن الغني يهرب منه، يفقد شيئاً من وظيفته الاجتماعية. والمسؤولية هنا مشتركة: على الميسور ألا يجعل ماله سبباً للعزلة، وعلى المحتاج ألا يجعل حاجته وسيلة لإحراج الآخرين. إن أجمل ما يمكن أن تقدمه المساجد للجاليات المسلمة في أوروبا عموما وإسبانيا خصوصا هو أن تعيد بناء هذه المسافة التي اتسعت بين أفراد المجتمع. فالصدقة يمكن أن تُنظم، والمساعدات يمكن أن تمر عبر مؤسسات موثوقة، والحالات الإنسانية يمكن أن تُدرس بعيداً عن الإحراج والملاحقة. وبذلك يعود المسجد إلى دوره الطبيعي مكاناً للعبادة، ومجالاً للتعارف، وبيتاً للتراحم، لا مكاناً يفر منه بعض الناس خوفاً من أن يلتقوا بإنسان محتاج. فالمشكلة في نهاية المطاف ليست في أن يرفض الإنسان طلباً لا يستطيع أو لا يريد تلبيته؛ المشكلة حين يصبح الإنسان محتاجاً إلى الهروب من المسجد حتى لا يرى المحتاجين. وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصراحة هل نجح المال في بناء مجتمعاتنا، أم بدأ يبني بيننا جدراناً لا تُرى؟؟.

#تابعونا …#نواذيبو اليوم 
يتبع بتقرير ميداني حول بعض قضايا الجالية فانتظرونا قريبا…