محاكمة ولد عبد العزيز بين مقتضيات العدالة وشبهات التصفية السياسية

ما يحدث مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لم يعد يُقنع أحدًا بأنه مسار عدالة طبيعي. لقد خرجت القضية من نطاق القانون إلى فضاء الصراع السياسي، حيث لم يعد الهدف مساءلة رجل بقدر ما هو كسر رمز، وتصفية مرحلة، وتوجيه رسالة ردع لكل من يفكر خارج حدود المسموح به بعد مغادرة السلطة.

المحاكمة، في جوهرها اتخذت طابعًا انتقائيًا واضحًا، فمرحلة حكم كاملة تُختزل في شخص واحد، بينما بقي شركاء القرار، ومنفذو السياسات، وحلقة المستفيدين خارج دائرة المساءلة، هذه ليست محاربة فساد، بل هندسة سياسية للذاكرة العامة، تُعيد كتابة الماضي وفق موازين القوة الحالية.

الأخطر من ذلك هو تحويل القضاء إلى مسرح استعراض أخلاقي خطاب التخوين والتشيطن سبق الأحكام، وقرينة البراءة دُفنت تحت شعارات شعبوية جاهزة. حين تُصاغ الإدانة في المنابر قبل أن تُكتب في الأحكام، نكون أمام محاكمة رأي عام لا محكمة قانون.

أما الجانب الإنساني، فقد كُشف بلا مواربة التضييق الصحي، وتجاهل النداءات الحقوقية، وترك رئيس سابق في وضع يُفهم منه الإذلال المقصود، كلها ممارسات لا تُبررها أي دعوى إصلاح، فالدولة القوية لا تنتقم من خصومها، بل تحاكمهم وهي مطمئنة إلى شرعيتها.

أنصار هذا المسار يرفعون شعار “كسر الإفلات من العقاب” لكنهم يتناسون أن العدالة الانتقائية تُنتج إفلاتًا من نوع آخر،  إفلات السلطة الحالية من المساءلة المستقبلية، فحين يُستخدم القضاء كسلاح سياسي يصبح كل رئيس سابق هدفًا محتملًا، وكل رئيس حالي قاضيًا مؤقتًا.

ومع ذلك فإن تحويل ولد عبد العزيز إلى ضحية لا يخدم الحقيقة كاملة، ففترة حكمه لم تكن بريئة، والفساد لم يكن وهمًا، لكن الفرق الجوهري أن الفساد يُواجه بالتحقيق الشامل، لا بالانتقام الانتقائي والعدالة الهادئة لا بالعقاب الاستعراضي .

ما يجري اليوم لا يبني دولة قانون، بل يؤسس لسابقة خطيرة، أن العدالة تُفصَّل على مقاس اللحظة السياسية، وهذا المسار مهما بدا مغريًا في المدى القصير، سينقلب على أصحابه لأن الظلم لا يُغلق الملفات، بل يُراكمها.

الخلاصة الواضحة ...
قد يُفرض الصمت بالقوة، وقد تُكسب المعركة إعلاميًا، لكن الشرعية لا تُنتزع بالإذلال، ولا تُصنع بمحاكمات تُدار بروح الخصومة، وحدها العدالة المتجردة قادرة على إنهاء الماضي، وما دون ذلك ليس إلا تأجيلًا لصراع قادم.

بقلم: داهى محمد لكويري