
لم تعد التجاذبات التي تعيشها الساحة السياسية في مدينة نواذيبو مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى انعكاس صارخ لأزمة حقيقية يعيشها الحزب الحاكم، ظهرت ملامحها بوضوح عقب إيفاد الحكومة لبعثة حزبية تحت يافطة ما سُمّي بـ«تعزيز العمل القاعدي» وتنفيذ مخرجات المؤتمر الأخير للحزب.
غير أن الواقع على الأرض فضح هشاشة هذا الادعاء، حيث لم تتمكن البعثة من حشد سوى مهرجان باهت، محدود العدد والعدة، كشف حجم العزلة التي بات يعانيها الحزب داخل المدينة الساحلية ، نتيجة سياسات فاشلة وإدارة ضيقة حولت التنظيم من إطار سياسي جامع إلى ما يشبه الملكية الخاصة، تتحكم فيها فئة بعينها دون اعتبار لرأي القواعد أو الفاعلين المحليين.
هذه الممارسات الإقصائية دفعت العديد من الأطر والوجهاء إلى النفور، وأفقدت الحزب القدرة على الانسجام حتى مع سياساته المعلنة محلياً، ناهيك عن قدرته على إقناع الشارع أو استقطاب دعم حقيقي. فكيف لحزب يدّعي تمثيل الجماهير أن يعجز عن التواصل مع نخبه المحلية، أو أن يفرض حضوره إلا عبر بعثات مؤقتة وخطابات مكرورة؟
وفي الوقت الذي يتخبط فيه الحزب الحاكم في هذه المدينة، يواصل خصوم النظام تعزيز حضورهم في مدينة اقتصادية ظلّت عصية على الاختراق، رغم كل المحاولات، ما يعكس فشل الرهان على الأساليب القديمة، وغياب أي رؤية سياسية قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
إن محاولة تجميل الواقع عبر مهرجانات شكلية أو بعثات حزبية موسمية لن تغيّر من حقيقة الأزمة شيئاً. فالمشكلة أعمق من ضعف التنظيم، إنها أزمة ثقة، وأزمة قيادة، وأزمة فهم لمعنى العمل السياسي في زمن لم يعد فيه المواطن قابلاً بالخداع أو الوعود الجوفاء.
وما لم يقدم الحزب الحاكم على مراجعة جذرية لسياساته، ويتخلَّ عن منطق الهيمنة والإقصاء، ويعيد الاعتبار للعمل المؤسسي الحقيقي، فإن حضوره الشعبي سيظل في تراجع مستمر، مهما علت الشعارات، ومهما تكررت محاولات فرض الأمر الواقع.

.png)

