الخطاب الإلهي: جوهر رسالة الإسلام.. دعوة إلى مراجعة الخطاب الديني

أربعاء, 09/27/2017 - 11:28

حول رسالة الإسلام السمحة التي تحمل في جوهرها الرحمة والعدل والحرية والسلام؛ كتب المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي كتابه القيم. بأسلوب علمي رصين يناقش الكاتب مختلف الأفكار التي أنتجتها الحركات الإسلامية المتطرفة ويواجه خطابها الموغل في الإفراط بالخطاب الإلهي الصحيح الذي يستند إلى آيات القرآن الكريم مسلسلا المراجع التي على أساسها يستند الخطاب الوسطي الذي يعكس صورة الإسلام الناصعة. ويرسم المؤلف معالم طريقين اثنين لاثالث لهما: أولهما طريق هداية وبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة؛ وثانيهما طريق ضلالة ينساق خلف النأويلات على الصائبة للنصوص الدينية.

ويبدو الحد الأقصى، وهو الواجب اتباعه الآن، هو الانتقال إلى "خطاب ديني جديد" أو "إصلاح ديني، يقوم على خمسة ركائز هي الإقرار بأن الإيمان مسألة فردية، وأن العقل يكمل مسيرة الوحي، وضرورة التمييز الواضح بين السلطة السياسية والدين، وأهمية الالتفات إلى الوعي الأخلاقي، وإلزامية الترابط بين الإصلاح الاجتماعي وإنتاج خطاب ديني خال من التطرف والغلو والتشدد والإفراط. وكل هذا ينطلق من فهم لطبيعة الاختلاف بين "الخطاب الديني" و"الخطاب الإلهي" أو معرفة الفروق الجوهرية بين الدين والتدين وعلوم الدين والتديين.

ويرى علي الشرفاء أن "الخطاب الديني" تحول اليوم إلى "دعوة للقتل والتكفير، ومرجعيته الصحابة ثم الروايات وبعدهما شيوخ الدين، قاصدا بالطبع استشهاد هذا الصنف من الخطاب بوقائع تاريخية لا يقين قاطع عليها من أيام الصحابة، مع التوسع في الصحابة ليشملوا، وفق رؤية هؤلاء، كل الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الاستسلام لروايات منسوبة للرعيل الأول من الإسلام، لم تخضع لتمحيص علمي كاف، تلقفها الوعاظ المتشددون الذين نطلق عليهم في أيامنا اصطلاح "شيوخ الدين"، وراحوا يستنبطون منها الأحكام والفتاوى، التي تبرر التكفير، ومن ثم تعبد الطريق إلى القتل والتدمير. وذهب بعضهم إلى ما هو أخطر من ذلك حين تبنوا المواقف والاتجاهات والانحيازات التي تحقق مصالحهم ثم راحوا يبحثون في القرآن والحديث وأقوال الأولين من الصحابة وآراء الفقهاء عما يبررون به ما ذهبوا إليه، ولم يسلم القرآن نفسه من هذا التلاعب الفج. أما "الخطاب الإلهي" في نظر الشرفاء فهو "دعوة للرحمة والتفكير" ومرجعه هو الله سبحانه وتعالى، ومنه النص الذي نزل به الوحي وهو "القرآن الكريم" ومن بعده محمد رسول الله، وهو الخطاب الذي تم الانحراف عنه، أو تجميده، أو إهماله، قصدا أو بغير وعي، أو تأويله تأويلا فاسدا منحرفا لخدمة مصالح ومنافع البعض، أو الاستجابة لأهواء البعض الآخر، أو بفعل الجهل والغفلة. ينطلق الشرفاء في تحديد الفرق بين هذين الخطابين من الآية (23) من سورة (آل عمران"، والتي يقول فيها الله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ". ليقول هو معلقا على تلك الآية الكريمة: "طريقان لا ثالث لهما، طريق الحق وطريق الضلال، فمن اتبع طريق الحق وهو الخطاب الإلهي للناس كافة بلغة رسول آمين، ومن اتبع طريق الضلال في الخطاب الديني البشري، فالله يحكم بينهم يوم الحساب" ليرى أن مسؤولية الرسول كانت التقيد بتبليع الرسالة التي تضمنها القرآن، ومن ثم يصبح هناك سؤال مبرر ومشروع وضروري وهو "من أين أتى منشئوا الروايات الذين اختطفوا الرسالة بأكاذيب باطلة؟". لهذا لم يجعل الشرفاء من نفسه مؤلفا لكتابه بل معدا، لأنه اكتفى في أغلبه بوضع الآيات التي تعبر عن القيم العامة في الإسلام وأركانه والحلال والحرام الذي يفرضه.

فجاء بالآيات التي تعبر عن خطاب الهُدي، ووحدة الرسالة، والتكليف الإلهي، والتذكير بالقرآن، وأسلوب الدعوة، ووحدة البشر، والعدل الإلهي، وحرية الاعتقاد، والحكم الإلهي، وانتفاء أي وصاية في الدين، ليقسم أركان الإسلام إلى ثلاثة محاور:

الأول هو العبادات وهي الشهادة والإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والتفكر في القرآن والكون والمخلوقات.

والثاني هو منظومة القيم والأخلاق وهي بر الوالدين، والعلاقات الزوجية، وحقوق اليتامي، وضوابط الميراث، والإنفاق في سبيل الله، وسلوك المسلم مثل الإحسان وأداء الأمانات واجتناب الغيبة والتجسس والظن والتراحم والعفو والتواضع والوفاء والتعاون والصفح ... الخ.

والمحور الثالث يتعلق بالمحرمات مثل الشرك بالله وما حرم في النكاح والطعام والخمر والميسر وأكل مال اليتيم وشهادة الزور والكذب والنفاق والربا والفساد في الأرض والسرقة وعقوق الوالدين .. الخ. ويوجه الشرفا ما أعده هنا إلى مثقفي المسلمين وعلمائهم المنوط بهم إخراج الأمة من مأزقها المترتب على اتباع خطاب ديني مغلوط، وغياب التوحد حول "المرجعية الأم" وهي القرآن الكريم. أن مضمون هذا الكتاب حري بالتوقف عنده باعتباره دعوة جادة وصريحة للتفكير في مصادر الدين التي يجب اعتمادها من قبل المسلمين اليوم تفاديا لمسالك التردي والهلاك التي تقودها بعض الحركات الإسلامية الضالة. هذا الكتاب المهم يحتج على إلباس عير المقدس لبوس التقديس ونزعها عن النصوص المقدسة الصريحة؛ في إطار توجه يخدم بعض الحركات التي ترفضها المجتمعات الإسلامية.

مراجعة حي ولد معاوية..