على الشرفاء …ومارتن لوثر … شجاعة الفكرة.

أحد, 11/26/2017 - 20:12

يحتفل العالم هذه الأيام بـ” رائد ” الإصلاح الألمانى مارتن لوثر الذى سعى قبل 500 عاماً إلى إصلاح أشياء ومعتقدات كان ممنوع الخوض فيها ، وكان مجرد ذكرها يعاقب صاحبها بالاعدام

وأعلن مارتن لوثر (1483 – 1546) فى أكتوبر 1517 أنه يريد مناقشة 95 قضية خلافية حول مسائل لاهوتية بشكل علنى، كما كانت العادة فى ذلك العصر ، حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية بها أخطاء وخطايا كثيرة إعترف بها باباوات الكنيسة فيما بعد مثل المبالغة في ” عقاب الذات ” و ” صكوك الغفران ” التى كانت تباع بأموال طائلة من جانب  بعض الكهنة ومسئولى الكنيسة  بحجة قدرة هؤلاء على تحقيق الغفران و بيع ” مساحات في الجنة ” للبسطاء والحالمين بدخول الفردوس وملكوت السموات

 في ذلك الوقت شعر مارتن لوثر وصديقة جون ويكلف  أن عليهما واجب مقاومة هذه الخرفات التى خرجت من مساحة الإيمان إلى ساحة السياسة وجنى الاموال ، و السعى للسيطرة على عقول الناس

وبعد سنوات كثيرة والتعرض لمضايقات صعبة نجح مارتن لوثر  فى القضاء على هذه الخرفات  وأصبح رمز للإصلاح والشجاعة في العالم بعد أن تحدى سلطة الكنيسة التى كانت تفوق سلطة الاباطرة والملوك في ذلك الوقت

تذكرت مارتن لوثر وأفكاره المبدعة عندما كنت أقرأ مقال المفكر الإماراتى، ورئيس ديوان الرئاسة السابق بدولة الامارات الشقيقة  الأستاذ على محمد الشرفاء الحمادى الذى يوجه فيه رسالة إلى شيخ الازهر الشريف ودار الافتاء المصرية ووزارة الاوقاف بأن يتبنى الازهر دعوته  بتشكيل مرجعية موحدة للدعوة الاسلامية عن طريق تشكيل لجنة من كبار العلماء والمفكرين لاعداد مشروع وثيقة بعنوان (الاسلام رحمة وعدل وحرية وسلام) لتصويب “الخطاب الديني”  الذي اتخذ الروايات مصدرا لتسويق الاسلام للناس، حيث تسبب ذلك في اعطاء صورة مشوه عن الاسلام بما يحمله ” الخطاب الديني”  من خطاب الكراهيه والتعالي على بني البشر ، حيث يدعو الخطاب الدينى لمحاربة غير المسلمين وقتلهم واستحلال اموالهم واستحياء نسائهم واستباحت حرماتهم

إننى أرى أن دعوة على الشرفاء لقيام الازهر الشريف بوضع مرجعية دعوية تقوم على التفرقة بين “الخطاب الالهى”  الذى جاء به القرآن الكريم من سماحة وقبول للأخر ورفع لشأن التعددية ، وإعلاء لقيم الحوار والنقاش  ، هي الحل  في مقابل ” الخطاب الدينى”  وهو مجمل أراء ” الدعاة السياسيين ” الذين يروجون لأفكار لم يعرفها الإسلام على الإطلاق ، وهي فقط “بنات أفكارهم” التى تدعو للقتل والنحر والذبح والحرق ، والنتيجة كانت القاعدة وداعش وأخواتها  

ويشير علي الشرفاء فى مقالة إلى ما نراه من جرائم ترتكب باسم الاسلام ، وأن العمليات الإرهابية التى نراها اليوم ما هي إلا ترجمة حقيقية “للخطاب الديني ” الذى تسوقه وتمارسه بعض الفرق التى تدعى أنها تعبر عن الإسلام ، وخير دليل على صدق ورؤية الاستاذ على الشرفاء هو قيام الإرهابيين بقتل 305 من أبناء شمال سيناء أثناء صلاة الجمعة بمسجد الروضة بمنطقة بئر العبد غرب العريش، وهو أمر لا يمكن أن يقبله إلا أصحاب ” الخطاب الدينى ” المهووسون بالدم وثقافة الحرب

ويرى الشرفاء أن  الخطاب الإلهي للناس كافة انزله الله على رسوله عليه الصلاة والسلام في قرآن مبين ليبلغه للناس كافة وكلفه سبحانه في قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)  (المائدة: 67) 

وبعد فاجعة مسجد الروضة على الجميع وفى مقدمتهم الازهر الشريف وشيخة  الطيب المستنير الدكتور أحمد الطيب تبنى دعوة الاستاذ على الشرفاء الذى دعا لها منذ 10 سنوات عندما وجه الخطاب الاول بهذا المعنى إلى الازهر الشريف نظراً لما يتمتع به الازهر من مكانة عند المسلمين وحتى عند غير المسلمين

نعم لدعوة الاستاذ على الشرفاء لوضع خط فاصل بين ” الخطاب الدينى ” الذى يستند إليه الإرهابيين وأعداء الاسلام في تشوية صورة الاسلام وسماحة المسلمين ، والخطاب الإلهى الذى جاء به القرآن الكريم الذى يرفع قيم التواضع وقبول الآخر مقابل قيم الاستعلاء الذى يقود للإستحلال الذى تعتمد علية فتاوى الذبح والنحر عند الإرهابيين

إننى أرى نفس الشجاعة وذات القوة التى تحدث بها مارتن لوثر فى دعوة الأستاذ على الشرفاء في وضع خط النهاية للمآسى التى نتجت عن خطاب الكراهية ” الخطاب الدينى ” وبين الخطاب الإلهى الذى يعزز القيم المشتركة بين الشعوب ويرفع من قيم التعاون والتشارك في مقابل قيم الانعزال والانكفاء على الذات الذى يقود للتدمير والخراب عند أصحاب الخطاب الدينى

الاستاذ على الشرفاء يرى في الخطاب الالهى ” خروج من الذات نحو الآخر ” بمعنى أن الاسلام جاء للجميع ومستعد للعمل مع الجميع من أجل البناء والانتاج وليس شعار ” القتل للجميع ” الذى يرفعة أنصار الخطاب الدينى ، قتل المسيحى والصوفى، والشيعي وحتى السنى الذى لا يسير في ركابهم  

كل من قرأ مقال الاستاذ على الشرفاء الاخير ودعوتة-  لفضح نوايا ومقاصد أصحاب الخطاب الدينى – يتفقون على أن هذا المقال ومن قبله كتاب ” رسالة الاسلام .. رحمة وعدل وحرية وسلام”  ترجمة كاملة لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى بضرورة أن يكون هناك ” ثورة دينية ” لإصلاح المفاهيم المغلوطة التى ينشرها أصحاب “الخطاب الدينى” من تأويلات وتفسيرات تقود للحروب وهدم دول كانت مستقرة لعقود من الزمن ، وأن الثورة الدينية التى دعى لها السيسى لن تكون بخطابات الشجب والإدانة للعمليات الإرهابية ، لكنا ستكون فقط من خلال ” هدم الأساس الفكرى الخاطىء”  الذى يبنى الإرهابيون عليه إرهابهم

من المؤكد للجميع الآن أن الإرهاب ليس فقط الفعل الإرهابى ، لان الإرهابى قبل أن يحمل بندقية أو قنبلة يفخخ بها نفسة هو يحمل فكرة وفتوى خاطئة ، وإذا ما تم تعديل أو تغيير هذه الافكار والفتاوى الخاطئة سوف يلقى الارهابى بالبندقية والقنبلة من يدة ، ولن تجد الجماعات الارهابية من تجنده لتنفيذ عملياتها الارهابية

دعوة الاستاذ على الشرفاء للإعتماد فقط على الخطاب الالهى هى دعوة لتجنيب العالم ليس فقط  مزيد من الدماء والارهاب بل ستساعد العالم بالعمل على سياسيات إيجابية تقوم على البناء وليس الهدم ، فرغم كل الجهود التى تقوم بها أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات في كل دول العالم للقبض أو القضاء على الإرهابيين لن يتوقف الإرهاب، وأعداد الارهابيين تزداد في كل دول العالم  لان هناك فارق كبير بين محاربة  “الإرهاب”  ومحاربة و”الارهابيين”  وكما قال بول سايمون “الارقام لا بد أن تترك لك  دلالة على الباب ” فمفوض الاتحاد الاوربى لمكافحة الارهاب قال فى 22 سبتمبر الماضى أن عدد الدواعش يزداد فى أوربا رغم كل الجهود الامنية والاستخباراتية ، وأن هناك 50 ألف داعشى فى أوربا منهم 35 ألف فى بريطانيا وحدها ، فماذا تعنى كل هذا الارقام ؟

عدد الارهابيين زاد الى الضعف في أسيا خلال عام 2016 و2017 ، فداعش حاولت بناء إمارة لها فى أقصى جنوب الفلبين ، وداعش إنتهى كدولة فقط فى سوريا والعراق ، لكنه كتنظيم ما زال يتوسع في أسيا وأفريقيا وأوربا

كل هذا يعنى أن الحرب الدائرة الآن هى حرب على الارهاربيين وليس على الارهاب ، فكلما قتلت الجيوش إرهابى يولد آلالاف الإرهابيين ، لكن تنفيذ الافكار والدعوة التى تقدم بها الاستاذ على الشرفاء للأزهر الشريف تعنى حل المشكلة من جذورها بتشكيل مرجعية موحدة للدعوة الاسلامية

أتمنى على الازهر الشريف ، ومركز “إعتدال”  الذى جاء ثمرة للقمة العربية الاسلامية في الرياض في مايو الماضى ، ومركز الملك عبد الله للحوار في فيينا ، وكل مؤسسات الفكر الوسطى أن تتبنى دعوة الاستاذ على محمد الشرفاء الحمادى القائمة على توضيح الفارق الكبير بين الخطاب الإلهى و الخطاب الدينى ووضع مرجعية موحدة للدعوة الاسلامية  

            

 

 

القسم: