الأمير الكفية ولد بوسيف – رُبّ خطأ شائع خير من صواب مهجور/ يوسف نجاح لعبيدي ..

لا شك أن أخبار الأمير الفارس و الأديب المبدع محمد الكفية ولد بوسيف ولد سيد أحمد ولد بوسيف ولد هنون لعبيدي شغلت الناس بعد مماته كما شغلهم هو قيد حياته.
و كأي بطل شعبي محبوب فقد اعترت سيرته إفادات بلغت من الإشادة به حدّا جعل هذه الإفادات تتعارض أحيانا فيما بينها و ذلك في غياب ثقافة التدوين المُواطنة و الوطنية و الارتهان للتدوين الأجنبي الموّجّه أو التدوين المحلي المغرض..

و حيث إن المجال يضيق عن استعراض الأخبار التي وصلتنا عن هذا البطل و الوقوف على مكامن التناقض الواردة فيها فإن الورقة الحالية تكتفي بنقاش محطتين من حياة الكفية و هما تاريخ وفاته و آخر معركة خاضها قبل رحيله عن الحوض، لنخلص في الحالتين إلى حقيقة أن الذائقة العامة لا تتوخى الضبط و الدقة بل تقوم أحيانا على فكرة أن الخطأ الشائع خير من الصواب المهجور.
أولا: متى وقعت معركة آكَوينيت؟
يقوم اختلافٌ حول تاريخ معركة آكَوينيت بين قائل إنها حدثت سنة 1850 م أو 1852 م أو 1858 م معتمدين في ذلك على ما ورد من معلومات متضاربة في بعض الحوليات الموريتانية و ما أخذه بعض الكتاب المحليين عن هذه الحوليات و عن ترجمات لبعض المؤلفين و الضباط العسكريين الأوربيين من أمثال Paul Marty و Louis Faidherbe و غيرهما و هي معلومات تلقفها المدونون و انتشرت على شبكات التواصل انتشار النار في الهشيم رغم أنها تظل غير دقيقة و تعتمد على كتابات يبدو أنها لم تكن تهدف أصلا لنقل الحقيقة بقدر ما كانت تهدف لتمرير و جهات نظر و آراء تخدم جهات أجنبية سابقا و أخرى محلية سابقا و لاحقا.
و في المقابل نجد من ألأطر و المهتمين من هم في الحقيقة اكثر التصاقا بمنطقة آكَوينيت جغرافيا و سياسيا و أكثر معرفة بها تاريخيا و اجتماعيا يؤكدون أن يوم آكَوينيت كان سنة 1863 م .
و من هؤلاء، مثالا لا حصرا، الوزير السابق السيد حمود ولد اعلي محمود و والمستشار الدبلوماسي السابق السيد ايدومو ولد بيبي و كلاهما من منطقة الحوض الشرقي و هما أدرى بشعابها.
ففي مقال منشور له باللغة العربية في جريدة الغد الرقمية بتاريخ 12/08/2015 تحت عنوان “توضيحات بخصوص ملحمة الكفيه ولد بوسيف ” و باللغة الفرنسة، في موقع Cridem بعد ذلك، أفاد السيد حمود ولد اعلي محمود أن معركة آكَوينيت وقعت سنة 1863 م.
و في معرض تعليق له على نفس المقال نشر الدبلوماسي الحالي السيد إدومو ولد بيبي بتاريخ 10 يناير 2016 مقالا على صفحة وكالة المرابع ميديا أورد فيه بعض حيثيات معركة آكَونيت المذكورة.
و إذا كانت وجهات نظر السيد إدومو قد اختلفت عن وجهات نظر زميله السيد حمود حول الكثير من حيثيات تلك المعركة فإن الشيء الأساسي الذي لم يثره تعليق السيد إدومو هو تاريخ المعركة مما يعني أن التاريخ نفسه لم يكن محل خلاف بينهما و لو كان الأمر كذلك لناقشه السيد إدومو في مقاله الطويل الذي توزع على 49 فقرة.
و في الوقت الذي صرح فيه السيد حمود أن تاريخ معركة آكَونيت هو سنة 1863 م و لم يجادله فيه السيد إذومو نجد أن المعنيين يتفقان أيضا على أن الكفية ولد بوسيف حضرها و أسِرَ فيها، مع ما صرح به الاثنان و يعلمه الجميع من عروض سخية قُدمت للكفية لإقناعه بالبقاء في الحوض و هي العروض التي اختار عنها هجرته التاريخية التي انتهت باغتياله في منطقة آدرار.
ثانيا. في أي سنة توفي الكفية ولد بوسيف؟
تقودنا هذه المرحلة من الحديث عن الكفية إلى إثارة تاريخ وفاته و هو تاريخ، مبني بدوره، عند عموم الناس على مبدأ “الخطأ الشائع خير من الصواب المهجور” حيث تذكر بعض الحوليات و بعض المراجع المحلية أو المترجمة أن وفاته كانت سنة 1860 م و يستدلون على ذلك بالقول إن سنة 1860م كانت وفاة المشاهير من أمثال محمد لحبيب أميرالترارزة و أحمد ولد عيدة أمير آدرار و غيرهما فلِمَ لا تكون هي نفسها سنة وفاة ألأمير الكفية؟ .
لكن كيف تكون وفاته سنة 1860 م أو قبلها و هو الذي حضر معركة آكَوينيت سنة 1863 م حسبما دلت عليه كتابات السيدين حمود و إدومو و هما، بالمناسبة إطاران دبلوماسيان في الدولة الموريتانية لا مجال للطعن في علمها الواسعٍ بتاريخ بلادهما بصفة عامة و تاريخ منطقتهما بصفة خاصة.
و هما، بالمناسبة أيضا، ليسا الوحيدين اللذين يؤرخان لمعركة آكَوينيت بسنة 1863 م بل هناك غيرهم ممن يقول نفس القول. إلّا أن اختيارهما للشهادة إنما جاء نتيجة لانتمائهما للمنطقة و خبرتهما بأحوالها و ظروفها عملا بمقولة :”شهد شاهد من أهلها”.
عود على بدء:
إذا أخذنا بعين الاعتبار أن معركة آكوينيت كانت نقطة انطلاقة الكفية في رحلة منفاه نحو أخواله أهل اسويد أحمد في تكَانت و أنه مكث هناك سنوات كافية للتأثر بتكَانت في شعره و التأثير فيها و في أهلها بشعره أيضا بروائع من عيار النص التالي :
وكري يا مول الكتبيَّ تيوشاتن والزاريَّ
وعلب المنييَ والبكَعيَّ حاجة وأللي ماهو حاجة
وكر أندور أنشوفو بيَّ ملك لحصيرة وأنواجة
وحاسي كركر والقديَّ وتييرت وفور ؤواجة
هذا كامل ياكواني شوفو عندي ماه أفراجة
وأندور أنشوفو براني والبراني مايوناجى

و إذا أضفنا لسنوات مقامه في تكَانت السنوات التي أمضاها غريبا في تيرس و التي أبدع فيها، من جملة ما أبدع، رائعته التي اتخذها الفنانون شاهدا لمقام ازراكَ البلاوي:
.خشم إدار وعكل أوكار كلب أنكادي وأنواودار
دارو فالكلب أللي أندار منهم روحي ممكونة
بين الدخل وكلب أدمار وأجمل وخشم أكرونة
تشباش أعيالي مامرك كلبي وأل دلالي أحرك
وأللي لم اللَّ يفترك لخلاك أللا ممكونة
شوفت بوعش وبدرك تغسل منهم تفونة
مخلوك أفتيرس منصرك دارو عادت زكنونة
لهروب أللا كبل اللحوك أما روص ألمامونة
نختيروهم عن فم زوك غير ألوطية مضمونة

و إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى ملازمة الفتى ابراهيم ولد بكار ولد اسويد أحمد للكفية و إعجابه و تأثره به لدرجة تقمص شخصيته الأدبية و تقليده في الطباع و الذوق و الإبداع الشعري و النزعة الثورية المتحررة من النظام النمطي في السلوك و انتبهنا أن ذلك لا يمكن أن يتم بين عشية و ضحاها،
و إذا استحضرنا العلاقة التي بدأت ودية بين الكفية و مضيفه بكار ولد اسويد أحمد و انتهت متوترة جدا بينهما بسبب تضايق بكار ليس فقط من أنفة و كبرباء الكفية ( راجع قصة أكل اللحم ليلا، و الشراب عند المنهل ) بل أيضا و خصوصا من كونه السبب في مشاكسة و جنوح أبراهيم الإبن و تمرده على الوالد بكار باعتبار أن الكفية كان مثال ابراهيم الأعلى الذي يحذو حذوه في السلوك الثوري و العصامية لدرجة أنه غدا يسمي نفسه ابراهيم ولد ابراهيم،
و إذا تساءلنا عن عدد السنين الذي يمكن أن يستغرقه تحول علاقة الضيف و المضيف من علاقة ود و حفاوة إلى علاقة جفاء و حقد،
وفي غياب كل معلومة دقيقة و موضوعية لتزكية فرضيات وفاة الكفية سنوات 1850 م أو 1852 م أو 1858 م أو 1860 م و لأن كل القرائن تدْحض هذه الفرضيات، فلا مناص لنا من الاستغناء عنها و لو لفائدة الشك.
و في المقابل يخبرنا الفنان الكبير سيد أحمد ولد أحمد زيدان في مناسبات مختلفة آخرها تصريحه يوم الخميس 24 دجنبر 2020 للفنان الشيخ ولد الداه ولد آبّ أن الكفية ولد بوسيف توفي سنة 1886 م و هي إفادة تتضافر عدة حقائق للأخذ بها و تفضيلها على ما يخالفها في هذا الموضوع.
و لعل مما يدفع لترجيح إفادة الفنان سيد أحمد ولد أحمد زيدان ما يلي:

انتفاء أية مصلحة له في الشهادة بما لا يعلم في هذه القضية.إدراكه لواجب الإدلاء بشهادة الحق و حرمة إنكارها في هذه القضية و في غيرها.تقدمه في السن و كونه شاهد عصره على مجموعة احداث القرن الأخير.حصوله على اعتراف بكفاءته المعرفية بالثقافة الوطنية من الدولة الموريتانية في شخص رئيسها المرحوم اعلي ولد محمد فالاطلاعه الواسع جدا على أحوال أولاد امبارك بحكم انتمائه للمجتمع لمباركي.ممارسته لفن و تاريخ أولاد امبارك لمدة تزيد على سبعة عقود

و لأن وفاة ابراهيم ولد بكار ( ابراهيم ولد ابراهيم) معروفة تاريخيا و محددة زمنيا في سنة 1891 م و لأن ابراهيم المذكور و الكفية قرينان يقتدي أحدها بالآخر و جليسان يتسامران فمن شأن ذلك أن يؤشر على تقاربهما في السن و بذلك يكون الكفية – تماشيا مع إفادة ولد أحمد زيدان – قد لقي ربه خمس (05) سنوات قبل قرينه ابراهيم ولد بكار ولد اسويد أحمد و ليس قبل ذلك بإحدى وثلاثين (31) سنة كما يقول القائلون بوفاته عام 1860 م أو بأكثر من ذلك كما يعتقد القائلون بأن الكفية توفي بين سنتي 1850 م و 1858م…

و ختاما و موازاة مع ما تقدم بشأن تاريخ معركة آكَوينيت و سنة وفاة الكفية تبقى الإشارة إلى أن كثيرا من رواة الأدب الحساني و بعض كتب التراث بما فيهم كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط تصرفوا في إرث الكفية تصرفا قد يكون بريئا لكنه لا يتوافق دائما مع الواقع و الحقيقة حيث نسبوا بعض أشعاره لغيره كما عزوا له بعض النصوص الركيكة التي يصعب التصديق بأنها للكفية.
و العبرة في نظرهم دائما هي : رُبّ خطأ شائع خير من صواب مهجور